خربشات حُرة

Archive for the month “ديسمبر, 2012”

لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى


 

في تاريخنا كانت قصة زواج إسماعيل عليه السلام من جرهم هي الانطلاقة الأولى لمفاخرة العرب , حيث صار ذلك تزاوجا حضاريا بين الدين واللغة , وبين المجد الروحاني والعرق العربي , وتمت مزاوجة تاريخية بين الحسب و النسب , و اكتسبت اللغة و الأمة بانضوائها تحت مظلة الدين الحنفي التوحيدي .

من المهم أن نلاحظ هنا أن عنصر التلاقح العرقي كان بين أكثر من عرق ومن جنس و إسماعيل عليه السلام غير عربي عرقيا ولم يكن يتكلم العربية صار الجذر الأهم في تكوين العرب . مما يعني أن نقاء العرق ليس أساسا, وان الأعراق تتمازج ثم يجري تبني اللغة و الثقافة و الجغرافيا ,لو افترضنا أن جرهم رفضت أن تزوج إسماعيل عليه السلام و اعتبرته دخيلا و أجنبيا ولم تزوجه ابنتها لتوقف التاريخ عن النمو وظلت جرهم قبيلة بدوية عادية الحال وبلا مستقبل مجيد.

كان إسماعيل عليه السلام ابن جارية وجاء إلى جرهم ليصاهرهم , في العرف الثقافي التقليدي الذي كان و مازال فإن جرهم العربية سترفض تزويج ابنتهم لرجل غير عربي وابن جارية , ولكنهم تجاوزوا هذا التقليد و زوجوه و نتج عن هذا الزواج تحول من أهم و اشد التحولات التاريخية حيث نشأ مسمى العرب المستعربة و كل العرب الآن عرب مستعربة . هذه القصة التاريخية تثبت لنا أن لا يوجد عرقي نقي لم يختلط بالأعراق الأخرى . قال ابن خلدون كلمة مهمة و هي ” أن الصفاء التام لا يكون إلا بالتوحش التام ” . كلما توحشت مجموعة و تصحرت انغلقت على نفسها و رفضت كل غريب و جديد .

قصة فاطمة و منصور و هي حادثة هزت المجتمع السعودي , فاطمة متزوجة من منصور بزواج شرعي و لديها طفل منه , بعد وفاة والد فاطمة تحرك إخوة لفاطمة غير أشقاء لرفع قضية ضد زوج أختهم بدعوى أن أختهم قبيلية و منصور غير قبيلي  وطال الأمر حتى حكم القاضي بتطليقهما بدون رغبتهما بل حتى بدون علمهما ولأنهما لا يعلمان بالحكم بقيا معا لعدة أشهر  و حملت فاطمة بالطفل الثاني . كانت حجة القاضي أن الضرر يقع على العائلة الكبرى لو استمر زواج امرأة قبيلية برجل غير قبيلي و هذا في عرف القاضي لا يقوم على التكافؤ و يضر بإسم العائلة و يؤثر في مكانتها و لذا حكم بالطلاق لان ضرر العائلة عنده أهم من ضرر الزوجان !

طبعا هذا ليس حكم شرعي فالقاضي قرأ النصوص الفقهية في اشتراط التكافؤ و فهمها على أنها تكافؤ النسب و ما حصل هو قراءة مصطنعه حيث افترض أن هناك فضلا وتفوقا بالنسب و أمن بأن الانتساب إلى القبيلة أمر تفضيلي و أن عدم الانتساب هو منقصة و اختلال في التكافؤ و هذا الأمر لا يمكن أن يقبل به من يقرأ نصوص القرآن و الأحاديث وهي مسألة ينفيها ويخالفها العقل و الدين و الوقائع و التاريخ .

لو ان القاضي سمع بقصة النبي عليه السلام مع ابنة عمته زينب بنت جحش لما حكم بهذا الحكم  فقد زوج الرسول صلى الله عليه وسلم ابنة عمته زينب لمولاه زيد بن حارثة و هي سيدة جليلة ذات مقام عالي و حينما طلقها زيد تزوجها الرسول بنفسه , وهذا درس في النسب و التناسب حيث زوج ابنة عمته لمولاه زيد لكسر القاعدة الجاهلية و أيضا تزوجها بعد طلاقها ليؤكد بقاء مقامها و ان التزاوج بين الفئات لا يقلل من النسب أو من قيمة الفتاة و لا من حقها المعنوي و الاجتماعي .

هل سيفعل العرب الآن مثلما فعلت جرهم وبتزويج ابنتهم لرجل غير عربي وابن جارية , و هل سيفعلون مثل رسولنا الكريم بتزويجه ابنة عمته لمولى ؟ في الغالب لا !

المجتمع يفرق بين زواج الرجل و زواج المرأة حيث ان شروط تزويج المرأة أقسى من شروط تزويج الرجل , ولا بأس على الرجل ان يتزوج مصرية أو شامية أو مغربية أو حتى أوروبية أو أمريكية و ليس للمرأة ان تفعل ذلك حتى لو كان الزوج المفترض مسلما صالحا و من أصلح الخلق و الشرط عندهم ليس في الأخلاق بل بعصبة النسب !

قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ” إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ” .

تزاوج الأعراق وتقبل الأجناس  والثقافات الأخرى  ينتج مجتمع متطور و متقدم وبالتأكيد سيكون له تأثير على الأمة الإسلامية لأنه سيساعد الأمة على ان تتحد من جديد و تعود لتؤمن ان لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى . 

Advertisements

Post Navigation